محمد عبد الله دراز
182
دستور الأخلاق في القرآن
وقد تمت الخطوة الأولى في هذه الطّريق في كلمة نزلت بمكة ، كلمة واحدة مسّت المسألة مسّا رفيقا ، فمن بين الخيرات الّتي استودعها اللّه سبحانه في الطّبيعة ، يذكر القرآن : ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ « 1 » . ويضيف إليها : تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً « 2 » . فهو لم يقصد إلّا إلى الموازنة بين « السّكر » ، والثمرات الأخرى الّتي يصفها بأنّها « حسنة » ، دون أن يصف هذا السّكر نفسه . وبذلك صار لدى المؤمنين دافع إلى الإحساس ببعض التّحرج والوسوسة تجاه هذا النّوع من الشّراب . ولكن ها هم أولاء بعد قليل من وصولهم إلى المدينة يفاجئون مرة أخرى بنص ثان ، من شأنه أن يقوي تحرجهم ، ووسوستهم ، وهو يعقد مقارنة موجزة بين منافع الخمر ، والميسر ، ومضارهما ، ويختم القرآن تلك المقارنة بهذه العبارات : وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما « 3 » . فإذا كان حقا ألّا شيء في هذه الدّنيا بخير مطلق ، أو شرّ محض ، وأنّ ما يسمى خيرا ، أو شرا ليس في جملته إلا ما يحتوي على نسبة أكبر من هذا ، أو ذاك . فإنّ النّتيجة الّتي نخلص إليها لا بد أن تكون الإدانة الحقيقية . بيد أنّ الّذي حدث هو أنّ التّحريم لم يكن واضحا بدرجة كافية لجميع العقول . ولذلك ظل عدد من المسلمين يشربون ، ولعلهم كانوا هم الغالبية ، على حين بدأ آخرون منذ ذلك الوقت الامتناع عن الشّرب ، ومن ثم كان لازما بعض الأوامر الأكثر
--> ( 1 ) النّحل : 76 . ( 2 ) النّحل : 76 . ( 3 ) البقرة : 219 .